فالرواية الأولى: أنها نزلت فِي الأخنس بن شريق الثقفي ، وهو حليف لبني زهرة أقبل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأظهر الإسلام ، وزعم أنه يحبه ويحلف بالله على ذلك ، وهذا هو المراد بقوله: {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياة الدنيا وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ} غير أنه كان منافقاً حسن العلانية خبيث الباطن ، ثم خرج من عند النبي عليه السلام فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر ، وهو المراد بقوله: {وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل} وقال آخرون المراد بقوله تعالى: {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} هو أن الأخنس أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم: إن محمداً ابن أختكم ، فإن يك كاذباً كفاكموه سائر الناس ، وإن يك صادقاً كنتم أسعد الناس به قالوا: نعم الرأي ما رأيت ، قال: فإذا نودي فِي الناس بالرحيل فإني أتخنس بكم فاتبعوني ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسمي لهذا السبب أخنس ، وكان اسمه: أبي بن شريق ، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعجبه ، وعندي أن هذا القول ضعيف وذلك لأنه بهذا الفعل لا يستوجب الذم وقوله تعالى: {وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياة الدنيا وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ} مذكور فِي معرض الذم فلا يمكن حمله عليه بل القول الأول هو الأصح.
والرواية الثانية: فِي سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس والضحاك أن كفار قريش بعثوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك ، فبعث إليهم جماعة فنزلوا ببطن الرجيع ، ووصل الخبر إلى الكفار ، فركب منهم سبعون راكباً وأحاطوا بهم وقتلوهم وصلبوهم ، ففيهم نزلت هذه الآية ، ولذلك عقبه من بعد بذكر من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله منبهاً بذلك على حال هؤلاء الشهداء.