يَعْنِي بِقَوْلِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} فَإِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ حَجِّكُمْ فَذَبَحْتُمْ نَسَائِكَكُمْ {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} يُقَالُ مِنْهُ: نَسَكَ الرَّجُلُ يَنْسُكَ نَسْكًا ونِسْكًا وَنَسِيكَةً وَمَنْسَكًا إِذَا ذَبَحَ نُسُكَهُ، وَالْمَنْسِكُ: اسْمٌ مِثْلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. فَأَمَّا النُّسُكُ فِي الدِّينِ. فَإِنَّهُ يُقَالُ مِنْهُ مَا كَانَ الرَّجُلُ نَاسِكًا، وَلَقَدْ نَسَكَ، ونَسَكَ نَسْكًا وَنِسْكًا وَنِسَاكَةً، وَذَلِكَ إِذَا تَقَرَّأَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوِ أَشَدَّ ذِكْرًا} فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ ذِكْرِ الْقَوْمِ آبَاءَهُمُ الَّذِينَ أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلُوا ذِكْرَهُمْ إِيَّاهُ كَذِكْرِهِمْ آبَاءَهُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْقَوْمُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ حَجِّهِمْ، وَمَنَاسِكِهِمْ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَفَاخَرُونَ بِمَآثِرِ آبَائِهِمْ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُمْ بِالثَّنَاءِ، وَالشُّكْرِ، وَالتَّعْظِيمِ لِرَبِّهِمْ دُونَ غَيْرِهِ، وَأَنْ يُلْزِمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِهِ نَظِيرَ مَا كَانُوا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ مِنْ ذِكْرِ آبَائِهِمْ.
عَنْ أَنَسٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ:"كَانُوا يَذْكُرُونَ آبَاءَهُمْ فِي الْحَجِّ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَبِي يُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَبِي يَضْرِبُ بِالسَّيْفِ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَبِي جَزَّ نَوَاصِيَ بَنِي فُلَانٍ"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِ الْأَبْنَاءِ، وَالصِّبْيَانِ الْآبَاءَ
عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ:" {كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} قَالَ: هُوَ قَوْلُ الصَّبِيِّ: يَا أَبَاهُ"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قِيلَ لَهُمْ: {اذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قَضَوْا مَنَاسِكَهُمْ فَدَعَوْا رَبَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَ آبَائِهِمْ فَأُمَرُوا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِنَظِيرِ ذِكْرِ آبَائِهِمْ