فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: فَمَنْ فَرَضَ الْحَجَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَأَحْرَمَ فِيهِنَّ، فَلَا يَرْفُثْ عِنْدَ النِّسَاءِ فَيُصَرِّحُ لَهُنَّ بِجِمَاعِهَّنَ، وَلَا يُجَامِعُهُنَّ، وَلَا يَفْسُقُ بِإِتْيَانِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ بِحَجِّهِ، مِنْ قَتْلِ صَيْدٍ، وَأَخْذِ شَعْرٍ، وَقَلْمِ ظُفْرٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: النَّهْيَ عَنْ أَنْ يَجَادِلَ الْمُحْرِمُ أَحَدًا.
ثُمَّ اخْتَلَفَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَهَى عَنْ أَنَ يُجَادِلَ صَاحِبَهُ حَتَّى يُغْضِبَهُ
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: الْجِدَالُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَاهُ: السِّبَابُ
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ خَاصًّا مِنَ الْجِدَالِ، وَالْمِرَاءِ، وَإِنَّمَا عَنَى الِاخْتِلَافَ فِيمَنْ هُوَ أَتَمَّ حَجًّا مِنَ الْحُجَّاجِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ كَانَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ الْحَجُّ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ اخْتِلَافُهُمْ ذَلِكَ فِي أَمْرِ مَوَاقِفِ الْحَجِّ أَيُّهُمُ الْمُصِيبُ مَوْقِفَ إِبْرَاهِيمَ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ اسْتِقَامَةِ وَقْتِ الْحَجِّ عَلَى مِيقَاتٍ وَاحِدٍ لَا يَتَقَدَّمُهُ، وَلَا يَتَأَخَّرُهُ، وَبِطُولِ فِعْلِ النَّسِيءِ.
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: قَدْ بَطَلَ الْجِدَالُ فِي الْحَجِّ وَوَقْتِهِ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُهُ، وَوَقْتُهُ عَلَى وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَمَنَاسِكَ مُتَّفِقَةٌ غَيْرٌ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَا تَنَازُعَ فِيهِ، وَلَا مِرَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ وَقْتَ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، ثُمَّ نَفَى عَنْ وَقْتِهِ الِاخْتِلَافَ الَّذِي كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ فِي شِرْكِهَا تَخْتَلِفُ فِيهِ.