وقائدة إلى الزندقة , وصارت هذه الآراء تقوى في الأمة كلما ضعف العلم،
وصار العلماء الراسخون يتحامون الظهور بإبطال هذه الآراء والتعاليم خوفًا من
إساءة ظن العامة فيهم واتهامهم بالزندقة لأنهم لم يَدعوا إمامًا من أئمة المسلمين إلا
واتهموه في عصره بهذه أو ما يقاربها حتى إن منهم من عد الاشتغال بعلم المنطق
كفرًا , ذكر ابن الوردي في حوادث سنة 639 من تاريخه ترجمة العلامة كمال
الدين بن معية الذي فضله العلامة أثير الدين الأبهري على الإمام الغزالي , وقال
فيها: إن ابن الصلاح الفقيه الشافعي المشهور سأل كمال الدين أن يقرئه المنطق
سرًّا فقرأه عليه مدة ولم يفهمه، فقال كمال الدين: يافقيه , المصلحة عندي أن تترك
الاشتغال بهذا الفن لأن الناس يعتقدون فيك الخير , وهم ينسبون كل من اشتغل به
إلى فساد الاعتقاد فكأنك تفسد عقائدهم , ولا يصح لك من هذا الفن شيء.
قال ابن الوردي:(ولغلبة العلوم العقلية على كمال الدين اتهم في دينه , وهذه هي
العادة)فتأمل قول المؤرخ: (وهذه هي العادة) .
والمشهور عن ابن الصلاح أنه كان يحرم المنطق قال في السلم:
ابن الصلاح , والنواوي حرما ... وقال قوم: ينبغي أن يُعلَما
فلينظر أي النقلين أصح؟ على أنه يمكن الجمع بأنه رجع عن التحريم بعد
القول به في العلوم الدنيوية؛ لعلمهم أن الدنيا سياج الدين ومزرعة الآخرة ,
وكانت العامة على خلاف رأيهم.
وأما في هذا العصر فقد انحط العلم حتى صار العلماء هم الذين يَنْفُرُون
ويُنَفِّرُون عن هذه العلوم والفنون , وصار قسم كبير من العامة يرغبون فيها
ويحملون أبناءهم على تعلمها , والسبب في هذا ظاهر؛ فإن التطلع إلى سعادة الدنيا
هو مرمى أبصار جميع الناس , والعلوم الدنيوية في القرون السالفة لم تكن من
وسائل الترقي في الدنيا , وإنما كان العلماء مسوقين إليها بإرشاد القرآن الطافح
بالحث على النظر في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء، وكانوا
مكتفين من الثمرة بقوة الإيمان ولذة العقل اللذين فيها , ولم يكن للعامة حظ من ذلك.
أما العلم بالقرآن وبما يرشد إليه من أنواع المعارف فقد ضعف في صنف