وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً
وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ (النور: 55) ولم يختلف أحد من أئمة
هذا الدين في أن غايته سعادة الدنيا كما في هذه الآية , وسعادة الآخرة كما في
الآيات الكثيرة , وأن الإعراض عنه مجلبة للشقاء في الدارين قال عز وجل:
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى} (طه: 124) فضيق المعيشة في الدنيا من آثار الإعراض عن كتاب الله ودينه
وهو دليل على الشقاء في الآخرة بالنسبة لمجموع الأمة أيضًا.
فعلم مما شرحناه أن القرآن ما أخبرنا بأنه يستخلفنا بديننا في جميع أقطار
الأرض نتصرف فيها كما تتصرف الملوك (قاله البيضاوي في تفسير الآية) وأنه
سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه , وما أمرنا بأن نطلب منه
حسنة الدنيا والآخرة - إلا وقد جعل ثمرة دينه كلا الامرين , وما جاء في القرآن من
ذم الدنيا فهو لتأديب المسرفين وكبح جماح المفرطين , ولكن من المسلمين من
انصرف إلى الغلو في التزهيد عملاً بنصف الدين الروحي , ومنهم من انصرف إلى
النصف الآخر وسنبين غلط الفريقين وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً
وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ
الحِسَابِ (البقرة: 201 - 202) .
(( يتبع بمقال تالٍ ) )