فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 56898 من 466147

(الدين والدنيا والآخرة(3)

أثبتنا في المقالتين السابقتين أن العقل والنقل والفطرة البشرية والأديان

السماوية، متفقة كلها على أن الله تعالى أنشأ الإنسان من الأرض واستعمره فيها؛

ليسعد بها لا ليشقى، وشرع له الدين ليوقفه بطلبها عند حدود الاعتدال , ويعلمه

قرن التمتع بالنعم بشكر المنعم، وذلك بأن يؤمن بأنه هو الواهب لها , ويجعل

مصالحه الخاصة منطبقة على المصالح العامة , ويسترشد في عمله بسنن الله في

شريعته وخليقته جميعًا , كما يعلمه أن يجعل الدنيا مزرعة للآخرة فيأخذ نفسه فيها

بالعبادات والفضائل النفسية والمعارف الروحية التي تكمل بها السعادة في الدنيا،

ويتأهل بها للسعادة في الآخرة.

ولم ترد هذه التعاليم كلها على كمالها إلا في الديانة الإسلامية خاتمة الأديان

وما أخذت أمة من الأمم بدين سماوي , إلا وحسنت حالها بالأخذ به في حياتها الدنيا ,

وارتقت عما كانت عليه قبل ذلك، خصوصًا الأديان التي كانت قبل المسيحية ,

وأقربها إلينا اليهودية؛ فإن الزهد في الدنيا والإعراض عنها لم يكن من تعاليمها ,

ولم يُعرف عندها قولاً ولا عملاً.

وأما المسيحية فلم تكن إلا إصلاحًا في اليهودية وتتميمًا لها، فقد صرح القرآن

حكاية عن المسيح عليه السلام أنه قال: وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ

لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ (آل عمران: 50) ويروون عنه في الأناجيل أنه

قال: ما جاء لينقض الناموس وإنما جاء ليتممه.

فمن حق النصارى أن يكونوا يهودًا آخذين بالتوراة في عباداتهم ومعاملتهم مع

زيادة زهادة في الدنيا وإعراض عنها.

وأما المسلمون فلقد كانوا على صراط الدين في زمن النبي صلى الله عليه

وسلم وزمن الراشدين من بعده , وكانت الزينة والطيبات من الرزق في أول نشأة

الإسلام بالدرجة التي يقتضيها ذلك الطور المعانق لطور البداوة حتى إن الإمام عليًّا

كرم الله وجهه كان يرى أن أكل مخ الحنطة (أي الحنطة المنخولة) من النعيم وهو

أمير المؤمنين!! ولما فتحوا الممالك واستفحل عمرانهم توسعوا في تناول الطيبات

واستعمال الزينة كما هو شأن الحضارة , وما كان الجمهور من الصحابة وأكابر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت