أولئك المرسلين السيد المسيح عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى مقابل ما هم فيه
أو نقيضه , يدعوهم لأن يتركوا الدنيا بالمرة ويكونوا روحانيين خلصًا؛ لتكون دعوته
تمهيدًا للدعوة المعتدلة الممكنة التي تكون من بعده , وهذه هي الطريقة المثلى في
الإرشاد: يُدعى الواقف عند أحد طرفي الإفراط أو التفريط إلى الطرف الآخر
ليكون مبلغ جهده في الإجابة الوصول إلى الوسط.
جاء في الباب 19 من إنجيل متى ما نصه: (23) فقال يسوع لتلاميذه:
الحق أقول لكم: إنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات 24 وأقول لكم أيضًا:
إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله 25 فلما
سمع تلاميذه بهتوا جدًّا قائلين: إذن من يستطيع أن يخلص 26 فنظر إليهم يسوع
وقال لهم: هذا عند الناس غير مستطاع , ولكن عند الله كل شيء مستطاع)
وهذه المسألة مذكورة في غير إنجيل متى أيضًا , وفي معناها كلمات أخرى في
الأناحيل , أنذر الأغنياء بسوء العاقبة وأمر بالخضوع لكل سلطة ومغفرة كل ذنب
لكل أحد ومحبة الأعداء , وذكر أن اللذات الجسدية لا تكون لأهل الحق إلا في
الملكوت حيث تكون اللذات الروحية، كقوله:(طوباكم أيها الجياع الآن لأنكم
تشبعون)وقوله:(الحق أقول لكم: إني لا أشرب بعد من نتاج الكرمة إلى ذلك
اليوم حينما أشربه جديدًا في ملكوت الله)اهـ مرقس وغيره.
وفي الباب الخامس من أعمال الرسل أنهم كانوا يكلفون المؤمن أن يبيع كل ما
ملكه ويأتي بجميع ثمنه للرسل , وقد أمسك رجل اسمه حنانيا بعض ثمن حقل له
وأعطى الباقي للرسل فوبخه بطرس وسماه مختلسًا , فمات حنانيا من كلامه.
بهذا وبما تقدمه استعد النوع الإنساني لفهم الحقيقة الإنسانية , والقيام بحقيها
الروحي والجسدي على صراط مستقيم فمنحه الله دين الإسلام فهي تبيان لكل شيء,
وجعله آخر الأديان , فجاء بالحق وصدق المرسلين , وجمع بين أنواع هداهم
وإرشادهم كما قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام:
90)وقد خاطب القرآن أهل هذا الدين بقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ