قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَلِعَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ قَالَ: {إنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَيْتَ وَكَيْتَ فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَكْرُوهَةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ الْأَيْمَانِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ} وَلَمْ تَبْطُلْ الْفُرْقَةُ الْوَاقِعَةُ بِلِعَانِهِمَا مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِ الْمَرْأَةِ وَصِدْقِ الزَّوْجِ ، فَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي أَنَّ الْعُقُودَ وَفَسْخَهَا مَتَى حَكَمَ بِهَا الْحَاكِمُ مِمَّا لَوْ ابْتَدَأَ أَيْضًا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَقَعَ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْحَاكِمَ مَأْمُورٌ بِإِمْضَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ ظَاهِرُهُمْ الْعَدَالَةُ ، وَلَوْ تَوَقَّفَ عَنْ إمْضَاءِ الْحُكْمِ بِمَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ مِنْ عَقْدٍ أَوْ فَسْخِ عَقَدٍ لَكَانَ آثِمًا تَارِكًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كُلِّفَ الظَّاهِرَ وَلَمْ يُكَلَّفْ عِلْمَ الْبَاطِنِ الْمُغَيَّبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِذَا مَضَى الْحُكْمُ بِالْعَقْدِ صَارَ ذَلِكَ كَعَقْدٍ مُبْتَدَأٍ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَلِكَ إذَا حَكَمَ بِالْفَسْخِ صَارَ كَفَسْخٍ فِيمَا بَيْنَهُمَا ؛ وَإِنَّمَا نَفَذَ الْعَقْدُ وَالْفَسْخُ إذَا تَرَاضَى الْمُتَعَاقِدَانِ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْحَاكِمِ.