وَأَمَّا الَّذِي وَجَّهَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ بَاغٍ فِي أَكْلِهِ شَهْوَةٍ، فَأَكَلَ ذَلِكَ شَهْوَةً لَا لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ الْمَخُوفِ مِنْهَا الْهَلَاكُ مِمَّا قَدْ دَخَلَ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلَفْظِهِ مُخَالِفًا. فَأَمَّا تَوْجِيهُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَلَا عَادٍ} وَلَا آكِلٌ مِنْهُ شِبَعُهُ، وَلَكِنْ مَا يُمْسِكُ بِهِ نَفْسَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْضَ مَعَانِي الِاعْتِدَاءِ فِي أَكْلِهِ، وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ مِنْ مَعَانِي الِاعْتِدَاءِ فِي أَكْلِهِ مَعْنًى فَيُقَالُ عَنَى بِهِ بَعْضَ مَعَانِيهِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ الِاعْتِدَاءُ فِي كُلِّ مَعَانِيهِ الْمُحَرَّمَةِ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}
يَقُولُ: مِنْ أَكْلِ ذَلِكَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا فَلَا تَبَعَةَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَلَا حَرَجَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ إِنْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ فِي إِسْلَامِكُمْ فَاجْتَنَبْتُمْ أَكْلَ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ وَتَرَكْتُمُ اتِّبَاعَ الشَّيْطَانِ فِيمَا كُنْتُمْ تُحَرِّمُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ، طَاعَةً مِنْكُمْ لِلشَّيْطَانِ وَاقْتِفَاءً مِنْكُمْ خُطُوَاتِهِ، مِمَّا لَمْ أُحَرِّمْهُ عَلَيْكُمْ لِمَا سَلَفَ مِنْكُمْ فِي كُفْرِكُمْ وَقَبْلَ إِسْلَامِكُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ خَطَأٍ، وَذَنْبٍ، وَمَعْصِيَةٍ فَصَافِحٌ عَنْكُمْ، وَتَارِكٌ عُقُوبَتَكُمْ عَلَيْهِ، رَحِيمٌ بِكُمْ إِنْ أَطْعَتْمُوهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} أَحْبَارُ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا النَّاسَ أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتَهُ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ بِرُشًا كَانُوا أُعْطُوهَا عَلَى ذَلِكَ