وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ وَالْمِيمُ مِنْ قَوْلِهِ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} عَائِدَةٌ عَلَى «مَنَ» فِي قَوْلِهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا} فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا. وَالْآخَرُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ وَالْمِيمُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} مِنْ ذِكْرِ «النَّاسِ» الَّذِينَ فِي قَوْلِهِ: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} فَيَكُونُ ذَلِكَ انْصِرَافًا مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} ، وَأَشْبَهُ عِنْدِي وَأَوْلَى بِالْآيَةِ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ مِنْ ذِكْرِ «النَّاسِ» ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رُجُوعًا مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ، لِأَنَّ ذَلِكَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ} فَلَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُمْ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ أُخْبِرَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْآيَاتِ وَانْقِطَاعِ قَصَصِهِمْ بِقِصَّةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ غَيْرِهَا، وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ، قَالُوا ذَلِكَ إِذْ دُعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} فَإِنَّهُ: اعْمَلُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى رَسُولِهِ، فَأَحَلُّوا حَلَالَهُ وَحَرَّمُوا حَرَامَهُ، وَاجْعَلُوهُ لَكُمْ إِمَامًا تَأْتَمُّونَ بِهِ، وَقَائِدًا تَتَّبِعُونَ أَحْكَامَهُ.
وَقَوْلُهُ: {أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}
يَعْنِي وَجَدْنَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر المتقارب]
فَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ... وَلَا ذَاكِرِ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلَا
يَعْنِي وَجَدْتُهُ