وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبَّهَ عِبَادَهُ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَتَفَرُّدِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ دُونَ كُلِّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِيمَا قَالَهُ عَطَاءٌ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ فِيمَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو الضُّحَى، وَلَا خَبَرَ عِنْدَنَا بِتَصْحِيحِ قَوْلِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ يَقْطَعُ الْعُذْرَ فَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ أَحَدٌ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ بِصِحَّةِ قَوْلٍ عَلَى الْآخَرِ. وَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ كَانَ صَحِيحًا فَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ مَا قُلْتُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إِنَّ فِي إِنْشَاءِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَابْتِدَاعِهِمَا.
وَمَعْنَى خَلْقِ اللَّهِ الْأَشْيَاءَ: ابْتِدَاعُهُ وَإِيجَادُهُ إِيَّاهَا بَعْدِ أَنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ «الْأَرْضِ» وَلَمْ تُجْمَعْ كَمَا جُمِعَتِ السَّمَاوَاتُ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَهَلْ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ خَلْقٌ هُوَ غَيْرُهَا فَيُقَالُ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟
قِيلَ: قَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهَا خَلْقٌ هُوَ غَيْرُهَا، وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَبِالَّتِي فِي سُورَةِ الْكَهْفِ: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} وَقَالُوا: لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا وَاللَّهُ لَهُ مُرِيدٌ. قَالُوا: فَالْأَشْيَاءُ كَانَتْ بِإِرَادَةِ اللَّهِ، وَالْإِرَادَةُ خَلْقٌ لَهَا.