والقضيتان الكبيرتان في الفقرة هما الإسلام والبيت، والفقرتان اللاحقتان في هذا المقطع تناقشان الراغبين عن الإسلام والداعين لغيره. وسيأتي المقطع اللاحق ليكون فيه كلام عن اتخاذ البيت قبلة ولم نخرج من الفقرة الأولى إلا وقد اتضح موضوع الإسلام، والأمة المسلمة، التي سيتجدد ظهورها فيما بعد، بذرية إبراهيم وإسماعيل من العرب، ليشكلوا نواة الأمة الإسلامية في العالم بعد غياب، بالقائد والمنشئ والمربي رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.
الفقرة الثانية في مقطع إبراهيم عليه السلام:
قلنا الفقرتين التاليتين في مقطع إبراهيم كلتاهما تناقش موضوع الإسلام.
إحداهما تناقش الراغبين عنه؛ ولذلك تبدأ بقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ.
والثانية: تناقش الداعين إلى غيره؛ ولذلك فإنها تبدأ بقوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ..
فنحن الآن إذن في الفقرة التي تناقش الراغبين عن الإسلام: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ هذا استفهام فيه معنى الإنكار والاستبعاد أن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح، الذي هو ملة إبراهيم، والملة: هي السنة والطريقة وقوله إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ أي جهل نفسه فظلمها بسفهه، وسوء تدبيره؛ بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفاه الله في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنة، إلى أن اتخذه الله خليلا، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، فمن ترك طريقه ومسلكه وملته، واتبع طرق الضلالة والغي، فأي سفه أعظم من سفهه؛ أم أي ظلم أكبر من ظلمه؛ كما قال تعالى (في سورة لقمان) : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ هذا بيان لخطأ رأي من يرغب عن ملة إبراهيم، لأن من جمع كرامة الدارين لم يكن أحد أولى بالرغبة في طريقته منه