أي: فآتينا الذين آمنوا منهم {أَجْرَهُمْ} الذي يستحقونه بالإيمان، وذلك لأنهم آمنوا بعيسى، وثبتوا على دينه حتى آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه الله تعالى؛ أي: أعطيناهم ما يحسن، ويليق بهم من الأجر، وهو الرضوان الذي طلبوه برهبانيتهم، وبإيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .
{وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ} ؛ أي: من العيسيين، وهم الذين ابتدعوا فضيعوا، وكفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - {فَاسِقُونَ} ؛ أي: خارجون عن حد الاتباع، وهم الذين تهودوا وتنصروا؛ أي: خارجون عن الإيمان بما أمروا أن يؤمنوا به؛ ووجه الذم لهم على تقدير أن الاستثناء منقطع، أنهم قد كانوا ألزموا أنفسهم الرهبانية معتقدين أنها طاعة، وأن الله يرضاها، فكان تركها، وعدم رعايتها حق الرعاية يدل على عدم مبالاتهم بما يعتقدونه دينًا، وأما على القول: بأن الاستثناء متصل؛ وأن التقدير: ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا ليبتغوا بها رضوان الله بعد أن وفقناهم لابتداعها، فوجه الذم ظاهر.
والمعنى: أي فما حافظوا على هذه الرهبانية المبتدعة، وما قاموا بما التزموه حق القيام، بل ضيعوها وكفروا بدين عيسى بن مريم، فضموا إليه التثليث، ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدلوا. وفي هذا ذم لهم من وجهين:
1 -أنهم ابتدعوا في دين الله ما لم يأمر به.
2 -أنهم لم يقوموا بما فرضوه على أنفسهم بما زعموا أنه قربة يقربهم إلى ربهم. وقد كان ذلك كالنذر الذي يجب رعايته، والعهد الذي يجب الوفاء به.