فإذا أبى الكفار أن يكون دين الله هو العالي فحينئذ يقاتلون، بالحديد {ومنافع للناس} جمع المنافع لأنها لا تحصى أجناسها، فضلاً عن أنواعها وأفرادها، فمن يحصي المنافع التي تحصل بالحديد؟! ولهذا جاءت بالجمع المعروف بصيغة منتهى الجموع، {ومنافع للناس} دينية ودنيوية، فردية وجماعية {وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} معطوفة على {ليقوم الناس بالقسط} والمراد علم الظهور الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب، أما علم أنه سيكون، فهذا سابق على إرسال الرسل وإنزال الكتب، لأنه سبحانه لم يزل ولايزال عالماً بكل شيء، ولكن لا يشكل عليك الأمر، لا تقل: إن الله لا يعلم إلا بعد هذا، نقول: العلم علمان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم بالشيء بعد وجوده. والعلم السابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب حتى يمتحن للناس، {من ينصره} ، أي: ينصر دينه، وليس المعنى ينصر نفس الله، لأن الله غني عن العالمين، ولهذا قال الله تعالى: ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم
ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم. فلو قال قائل: كيف تفسر الآية ينصر دينه والله يقول: {من ينصره} هذا تفسير مخالف للفظ وأنتم تنكرون على من يفسر القرآن بما يخالف ظاهر اللفظ، فما الجواب؟ فالجواب: نحن لا ننكر على الناس إذا فسروا القرآن بما يخالف ظاهر اللفظ إذا كان ذلك بدليل، ولهذا إذا قال قائل في قوله تعالى: {فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} المعنى إذا قرأت القرآن أي أردت قراءته، فهذا فسره بخلاف ظاهره، ولكنه تفسير صحيح، لأن الإنسان يستعيذ بالله إذا أراد أن يقرأ، وليس إذا تم القراءة.