ثم قال - تعالى: {فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي: فمن هذه الذرية، أو من المرسل إليهم منتفع بهذه الرسالة مهتدٍ سائر على النهج السوى، مستجيب لدعوة رسوله، ملتزم بالعمل بها، وكثير منهم فاسقون خارجون عليها مجافون لها، متنكبون طريق الهداية والطاعة.
ولم تقل الآية: ومنهم"ضال"مقابل فمنهم"مهتد"على ما يقتضيه ظاهر المعادلة مبالغة في الذم؛ لأن الخروج عن الطريق المستقيم بعد الوصول إليه بالتمكن منه ومعرفته أبلغ في الضلال، وأَقبح منه على أَن قوله - تعالى: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ} يؤذن بغلبة أهل الضلال والفسق على غيرهم.
27 - {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} :
لا تزال الآيات تتحدث عن إرسال الرسل بدءًا بنوح وإبراهيم - عليهما السلام - ونهاية بعيسى - عليه السلام - وصولًا إلى بعثة سيد الرسل وخاتم الأَنبياء سيدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم -،
وخص عيسى بالذكر؛ لأَن رسالته آخر الرسالات قبل رسالة نبينا - صلى الله عليه وسلم - مع ما تحتويه من التنويه ببعثته، والحديث عن رسالته ممَّا يكاد يكون إرهاصًا بها، ودعوة لها.