وبقوله (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) . وهذا قول قتادة والضحاك والسدي وابن جريج. وإليه ذهب الأوزاعي وأصحاب الرأي ، قالوا: لا يجوز المنّ على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء ، بل إما القتل وإما الاسترقاق ، أيهما رأى الإمام ونقل صاحب الكشاف عن مجاهد قال: ليس اليوم منّ ولا فداء ، إنما هو الإسلام أو ضرب العنق. وذهب أكثر العلماء إلى أن الآية محكمة ، والإمام بالخيار في الرجال من الكفار إذا أسروا بين أن يقتلهم ، أو يسترقهم ، أو يمنّ عليهم فيطلقهم بلا عوض ، أو يفاديهم بالمال أو بأسارى المسلمين وإليه ذهب ابن عمر ، وبه قال الحسن وعطاء وأكثر الصحابة والعلماء. وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. قال ابن عباس: لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل اللّه عز وجل في الأسارى (فإما منّا بعد وإما فداء) . وهذا القول هو الصحيح ، ولأنه عمل النبي (صلى اللّه عليه وسلم) والخلفاء بعده.
عن أبى هريرة رضي اللّه عنه قال: بعث النبي (صلى اللّه عليه وسلم) خيلا قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة ، يقال له ثمامة ، فربطوه في سارية من سواري المسجد ، فخرج إليه النبي (صلى اللّه عليه وسلم) فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال عندي خير يا محمد ، إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ، فتركه النبي (صلى اللّه عليه وسلم) . وفي الغد قال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال مثل مقالته الأولى ، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وسلم) :
أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد ، فاغتسل ، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. واللّه ما كان على الأرض أبغض إلي من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ. واللّه ما كان من دين أبغض إليّ من دينك ، فأصبح دينك أحب الدين كله إليّ. واللّه ما كان من بلد