فلا يجدون إلا ذلك الرصيد المذخور . فإذا بخلوا بالبذل , فإنما يبخلون على أنفسهم ; وإنما يقللون من رصيدهم ; وإنما يستخسرون المال في ذواتهم وأشخاصهم ; وإنما يحرمونها بأيديهم !
أجل . فالله لا يطلب إليهم البذل , إلا وهو يريد لهم الخير , ويريد لهم الوفر , ويريد لهم الكنز والذخر . وما يناله شيء مما يبذلون , وما هو في حاجة إلى ما ينفقون:
(والله الغني وأنتم الفقراء) . .
فهو الذي أعطاكم أموالكم , وهو الذي يدخر لكم عنده ما تنفقونه منها . وهو الغني عما أعطاكم في الدنيا , الغني عن أرصدتكم المذخورة في الآخرة . وأنتم الفقراء في الدارين وفي الحالين . أنتم الفقراء إلى رزقه في الدنيا , فما لكم من قدرة على شيء من الرزق إلا أن يهبكم إياه . وأنتم الفقراء إلى أجره في الآخرة , فهو الذي يتفضل به عليكم , وما أنتم بموفين شيئا مما عليكم , فضلا على أن يفضل لكم شيء في الآخرة , إلى أن يتفضل عليكم .
ففيم البخل إذن وفيم الشح ? وكل ما في أيديكم , وكل ما ينالكم من أجر على ما تنفقون هو من عند الله , ومن فضل الله ?
ثم الكلمة الأخيرة وهي فصل الخطاب . .
إن اختيار الله لكم لحمل دعوته تكريم ومن وعطاء . فإذا لم تحاولوا أن تكونوا أهلا لهذا الفضل , وإذا لم تنهضوا بتكاليف هذه المكانة , وإذا لم تدركوا قيمة ما أعطيتم فيهون عليكم كل ما عداه . . فإن الله يسترد , ما وهب , ويختار غيركم لهذه المنة ممن يقدر فضل الله:
(وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم , ثم لا يكونوا أمثالكم) . .
وإنها لنذارة رهيبة لمن ذاق حلاوة الإيمان , وأحس بكرامته على الله , وبمقامه في هذا الكون وهو يحمل هذا السر الإلهي العظيم . ويمشي في الإرض بسلطان الله في قلبه ; ونور الله في كيانه ; ويذهب ويجيء وعليه شارة مولاه . .