والحياة الدنيا لعب ولهو حين لا يكون وراءها غاية أكرم وأبقى. حين تعاش لذاتها مقطوعة عن منهج الله فيها. ذلك المنهج الذي يجعلها مزرعة الآخرة ؛ ويجعل إحسان الخلافة فيها هو الذي يستحق وراثة الدار الباقية. وهذا هو الذي تشير إليه الفقرة التالية في الآية: {وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم} .. فالإيمان والتقوى في الحياة الدنيا هو الذي يخرجها عن أن تكون لعباً ولهواً ، ويطبعها بطابع الجد ، ويرفعها عن مستوى المتاع الحيواني ، إلى مستوى الخلافة الراشدة ، المتصلة بالملأ الأعلى. ويومئذ لن يكون ما يبذله المؤمن المتقي من عرض هذه الحياة الدنيا ضائعاً ولا مقطوعاً ؛ فعنه ينشأ الأجر الأوفى ، في الدار الأبقى.. ومع هذا فإن الله لا يسأل الناس أن يبذلوا أموالهم كلها ، ولا يشق عليهم في فرائضه وتكاليفه ، لعلمه سبحانه بشح نفوسهم فطرة وخلقة. وهو لا يكلف نفساً إلا وسعها. وهو أرحم بهم من أن يكلفهم بذلها كلها ، فتضيق صدورهم وتظهر أضغانهم:
{إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ، ويخرج أضغانكم} ..
وهذا النص يوحي بحكمة اللطيف الخبير ، كما يوحي برحمته ولطفه بالنفوس. ويكشف عن التقدير الدقيق في تكاليف هذا الدين ، ومراعاته للفطرة ، وتناسقه مع بشرية البشر بكل استعداداتها ، وطاقاتها ، وأحوالها. فهو عقيدة ربانية لإنشاء نظام رباني إنساني. نظام رباني من ناحية أن الله هو الذي يقيم منهجه وقواعده ؛ وإنساني من ناحية أن الله يراعي في تكاليفه طاقة الإنسان وحاجته. والله هو الذي خلق ، وهو أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير.
وفي النهاية يواجههم بواقع حالهم تجاه دعوتهم إلى البذل في سبيل الله ؛ ويعالج شح النفوس بالمال بالوسائل القرآنية ، كما عالج شحها في ذات النفس عند الجهاد: