أهؤلاء كهؤلاء؟ إنهم يختلفون حالاً ومنهجاً واتجاهاً. فلا يمكن أن يتفقوا ميزاناً ولا جزاء ولا مصيراً! وهذه صورة من صور التفرقة بين هؤلاء وهؤلاء في المصير:
مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من مآء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ؛ ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم.
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) }
هذه الجولة مع المنافقين ، وموقفهم إزاء شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيراً موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سراً للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية ، لم يكن لها وجود في مكة ، لأنه لم يكن هنالك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد ، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة ، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام ، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وللإسلام أن يعز ويستعلي ، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة ، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس النفاق المعروف.