إن الفارق الرئيسي بين الإنسان والحيوان: أن للإنسان إرادة وهدفاً وتصوراً خاصاً للحياة يقوم على أصولها الصحيحة ، المتلقاة من الله خالق الحياة. فإذا فقد هذا كله فقد أهم خصائص الإنسان المميزة لجنسه ، وأهم المزايا التي من أجلها كرمه الله.
وتعترض سلسلة الموازنات بين الذين آمنوا والذين كفروا لفتة إلى القرية التي أخرجت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وموازنة بينها وبين القرى الهالكة وكانت أشد قوة منها:
{وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم} ..
وهي آية يروى أنها نزلت في الطريق بين مكة والمدينة في أثناء رحلة الخروج والهجرة ، تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتسرية عنه ؛ وتهويناً من شأن المشركين الجبارين الذين وقفوا في وجه الدعوة ، وآذوا أصحابها ، حتى هاجروا من أرضهم وأهلهم وأموالهم فراراً بعقيدتهم.
ثم يمضي في الموازنة بين حال الفريقين ؛ ويعلل لم كان الله ولي المؤمنين يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار في الآخرة ، بعد النصر والكرامة في الدنيا؟ ولم كان الذين كفروا لا مولى لهم معرضين للهلاك في الدنيا - بعد حياة حيوانية هابطة - وللعذاب في الآخرة والثوي في النار والإقامة:
{أفمن كان على بينة من ربه ، كمن زين له سوء عمله ، واتبعوا أهواءهم؟} ..
فهو فارق أصيل في الحالة التي عليها الفريقان ، وفي المنهج والسلوك سواء. فالذين آمنوا على بينة من ربهم.. رأوا الحق وعرفوه ، واستيقنوا من مصدره واتصلوا بربهم فتلقوا عنه ، وهم على يقين مما يتلقون. غير مخدوعين ولا مضللين. والذين كفروا زين لهم سوء عملهم ، فرأوه حسناً وهو سِّيئ ؛ ولم يروا ولم يستيقنوا ، {واتبعوا أهواءهم} . بلا ضابط يرجعون إليه ، ولا أصل يقيسون عليه ، ولا نور يكشف لهم الحق من الباطل.