تعليق على الآية إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ... إلخ والآيتين التاليتين لها
في الآيات خطاب للمسلمين يتضمن:
(1) تقرير كون الحياة لعبا ولهوا ومتاعها وأمدها قصيران زائلان.
(2) وتقرير كون أجر المسلمين عند الله مضمونا إذا ما أخلصوا في الإيمان وتقوى الله.
(3) وتقرير كون الله لا يطلب منهم الخروج عن جميع أموالهم ولا يلحّ عليهم في ذلك لأنه يعلم طبيعة البشر إزاء مثل هذا الطلب من شحّ وضنّ وتجهّم وإعراض ولا يريد لهم أن تظهر عليهم أعراض تلك الطبيعة. وكل ما في الأمر أنه يسألهم إنفاق بعضها. وهذا أمر هين كان يجب عليهم أن يفعلوه بدون تردد. ومع ذلك فإن منهم من يبخل به. ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه لأن خطر البخل في هذا المقام عائد عليه. والله تعالى غني عن الناس. والناس فقراء إليه على كل حال. والإنفاق الذي يدعوهم إليه إنما هو لمصلحتهم فإذا أعرضوا عن الاستجابة إلى ما يدعون والإخلاص لله فإن الله لا يعزّ عليه أن يستبدل بهم قوما آخرين لا يكونون مثلهم في البخل والإعراض وضعف الإخلاص والتقوى. وروح الآيات ومضمونها جعل من المتبادر لنا أن المقصود من جملة وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ أنه لا يسألكم أموالكم جميعها. ونرجو أن يكون هو الصواب.
وأسلوب الآيات قوي رصين موجّه إلى العقول والقلوب معا. ومتسق مع
أسلوب القرآن في معالجة مثل الأغراض التي استهدفتها معالجة حكيمة متمشية مع طبائع الأشياء.
ولم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه رواية ما في مناسبة نزول الآيات.
والمتبادر أنها استمرار للسياق السابق واستطراد إلى ذكر مسألة الإنفاق لأن مجاهدة العدو تتطلب ذلك. ولعل ما احتوته الآية السابقة من الأمر بعدم التراخي عن العدو متصل بهذه المسألة حيث كان بعض المسلمين يقصّر فيها فيكون ذلك مظهرا من مظاهر التهاون والتراخي فاقتضت الحكمة الاستطراد إليها.