قال أنس: ما خفي على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين وكان يعرفهم بسيماهم {ولتعرفنهم في لحن القول} يعني في معنى القول وفحواه ومقصده وللحن معنيان صواب وخطأ صرف الكلام وإزالته عن التصريح إلى المعنى والتعريض وهذا محمود من حيث البلاغة ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم) :"فلعل بعضكم ألحن بحجته من بعض"وإليه قصد بقوله {ولتعرفنهم في لحن القول} وأما اللحن المذموم فظاهر وهو صرف الكلام عن الصواب إلى الخطأ بإزالة الإعراب أو التصحيف.
ومعنى الآية: وإنك يا محمد لتعرفن المنافقين فيما يعرضون به من القول من تهجين أمرك وأمر المسلمين وتقبيحه والاستهزاء به فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي (صلى الله عليه وسلم) إلا عرفه بقوله ويستدل بفحوى كلامه على فساد باطنه ونفاقه ثم قال الله تعالى {والله يعلم أعمالكم} يعني أعمال جميع عباده فيجازي كلاًّ على قدر عمله.
قوله تعالى {ولنبلونكم} يعني ولنعاملنكم معاملة المختبر فإن الله تعالى عالم بجميع الأشياء قبل كونها ووجودها {حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} يعني إنا نأمركم بالجهاد حتى يظهر المجاهد ويتبين من يبادر منكم ويصبر عليه من غيره لأن المراد من قوله: حتى نعلم ، أي علم الوجود والظهور {ونبلوا أخباركم} يعني نظهرها ونكشفها ليتبين من يأتي القتال ولا يصبر على الجهاد {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول} يعني خالفوه فيما أمرهم به من الجهاد وغيره {من بعد ما تبين لهم الهدى} يعني من بعد ما ظهر لهم أدلة على الهدى وصدق الرسول (صلى الله عليه وسلم) {لن يضروا الله شيئاً} يعني إنما يضرون أنفسهم بذلك والله تعالى منزه عن ذلك {وسيحبط أعمالهم} يعني وسيبطل أعمالهم فلا يرون لها ثواباً في الآخرة لأنها لم تكن لله تعالى قال ابن عباس: هم المطعمون يوم بدر.