وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِ (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) إِلَى قَوْلِهِ (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ) دَقِيقَةً مُعْتَبَرَةً وَهِيَ أَنَّ السُّلْطَانَ الْعَظِيمَ إِذَا خَصَّ بَعْضَ خَوَاصِّهِ بِالْإِكْرَامِ الْعَظِيمِ وَالتَّشْرِيفِ الْكَامِلِ عِنْدَ حُضُورِ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَانَ ذَلِكَ أَلَذَّ وَأَبْهَجَ، فَقَوْلُهُ (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) إِلَى (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ) الْمَقْصُودُ مِنْهُ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ.
(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ(52)
«فَإِنْ قِيلَ» : قَوْلُهُ (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ الْأَعْذَارَ إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْأَعْذَارَ لَا تَنْفَعُهُمْ فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) [الْمُرْسَلَاتِ: 36] قُلْنَا قَوْلُهُ (لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ) لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ ذَكَرُوا الْأَعْذَارَ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عُذْرٌ مَقْبُولٌ نَافِعٌ، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ ذَكَرُوهُ أَمْ لَا.
وَأَيْضًا فَيُقَالُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ فَيَعْتَذِرُونَ فِي وَقْتٍ وَلَا يَعْتَذِرُونَ فِي وَقْتٍ آخَرَ.
(وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ(60)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ قَالَ: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وَقَدْ يُدْعَى كَثِيرًا فَلَا يُسْتَجَابُ؟
أَجَابَ الْكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: الدُّعَاءُ إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى شَرْطٍ، وَمَنْ دَعَا كَذَلِكَ اسْتُجِيبَ لَهُ، وَذَلِكَ الشَّرْطُ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ بِالدُّعَاءِ مَصْلَحَةً وَحِكْمَةً، ثُمَّ سَأَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ: فَمَا هُوَ أَصْلَحُ يَفْعَلُهُ بِلَا دُعَاءٍ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي الدُّعَاءِ؟
وَأَجَابَ: عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ فِيهِ الْفَزَعَ وَالِانْقِطَاعَ إِلَى اللَّهِ.