ولهذا المعنى، الذي أفادته هذه الواو، لا يجوز القول بأنها عاطفة، أو حالية. أما الأول فلأنها - هنا - مسلوبة الدلالة على العطف. وأما الثاني فلأن واو الحال لا يجوز أن تدخل على الفعل إلا ومعها (قد) ظاهرة، لا مقدرة. وجعلها حالية يقتضي تقدير جواب محذوف مع (قد) . وهذا ما لجئوا إليه، وهو تكلف ظاهر، لا داعي له، لما فيه من إخلال بنظم الكلام، وإفساد لمعناه. وفرق كبير بين أن يقال: حتى إذا جاءوها، فتحت أبوابها مع مجيئهم إليها، وبين أن يقال: حتى إذا جاءوها، وقد فتحت أبوابها قبل مجيئهم إليها؛ لأن هذا فيه حذف للجواب، وتقدير (قد) بين الواو، والفعل. والأول لا حذف فيه، ولا تقدير. وصون النظم الكريم من العبث بالزيادة والتقدير هو الأولى، وهو الذي ينبغي أن يكون.
أما مجيء الجواب في الآية الأولى غير مقترن بالواو فللدلالة على أن النار لا تفتح أبوابها لأهلها إلا بعد مجيء أهلها إليها. وقد يطول وقوفهم، وانتظارهم، وهذا أنكى لهم، ثم تفتح لهم الأبواب بعد طول انتظار، ويدخلون غير مأسوف عليهم، خلافًا لأهل الجنة، الذين يدخلونها دون انتظار؛ لأنهم يجدون أبوابها قد فتحت لهم مع مجيئهم إليها. وما أشبه هذا بما نشاهده اليوم من الأبواب الزجاجية لبعض المحال والبنوك والدوائر الرسمية، التي تفتح للقادمين إليها من أول وطأة قدم أمامها، ثم تعود إلى الانغلاق بعد الدخول. وذلك بخلاف أبواب السجون، وغيرها من الأبواب، التي لا تفتح للذين يساقون إليها إلا بعد طول انتظار.
وأما ما استدلوا عليه من قولهم: إن الجنة تفتح أبوابها لأهلها قبل مجيئهم إليها إكرامًا لهم بقوله تعالى:
"جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ" (ص: 50)