73 -ولما ذكر فيما تقدم حال الذين كفروا وسوقهم إلى جهنم .. ذكر هنا حال المتقين، وسوقهم إلى الجنة، فقال: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ} ؛ أي: ساقتهم الملائكة سوق إعزاز وتشريف وتكريم بلا تعب ولا نصب، بل بروح وطرب للإسراع إلى دار الكرامة، وذلك قبل الحساب، أو بعده يسيرًا أو شديدًا، وهو الموافق لما قبل الآية من قوله: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ} حال كونهم {زُمَرًا} ؛ أي: جماعات متفاوتين حسب تفاوت مراتبهم في الفضل وعلو الطبقة، والمراد: المتقون عن الشرك، فهؤلاء عوام أهل الجنة، وفوق هؤلاء من قال الله تعالى فيهم: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} وفوقهم من قال فيهم: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) } .
والمعنى: أي وسيق المتقون إلى الجنة جماعة إثر جماعة على النجائب، وفودًا إلى الجنة، المقربون فالأبرار ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كل طائفة منهم مع من يشاكلهم، الأنبياء مع الأنبياء، والصدّيقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم.
والمراد بالسوق هنا: الإسراع بهم إلى دار الكرامة والرضوان، كما يفعل بمن يكرم من الوافدين على بعض الملوك، وبالسوق المتقدم: طردهم إلى العذاب والهوان، كما يفعل بالأسير إذا سيق إلى الحبس أو القتل، فشتان ما بين السوقين.
{حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا} ؛ أي: الجنة {وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} وقرأ الكوفيون: {وَفُتِحَتْ} بالتخفيف؛ أي: والحال أنه قد فتحت أبوابها الثمانية قبل مجيئهم؛ لئلا يصيبهم وصب الانتظار، مع أن دار الفرح والسرور لا تغلق للأضياف والوافدين باب الكرم، فـ {الواو} : واو الحال، وجواب {إذا} محذوف دل عليه السياق، والتقدير؛ أي: حتى إذا وصلوا إليها، وقد فتحت لهم أبوابها قبل مجيئهم، كما تفتح الخدم باب المنزل للضيف قبل قدومه، وتقف منتظرةً حضوره فرحًا بمقدمه، فرحوا بما أفاء الله به عليهم من النعيم، وبما شاهدوا مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فَإِنْ قُلْتَ: يرد على كون أبواب الجنان مفتحةً لهم قبل مجيئهم إليها، قوله - صلى الله عليه وسلم -:"أنا أول من يستفتح باب الجنة".