وقوله: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(13)
الخوف هاهنا ليس هو حقيقة الخوف، ولكن العلم كأنه قال: إني أعلم إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، فآيسهم باللَّه بالمدينة عن عوده إلى دينهم، وقطع طمعهم عنه، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) ، فأما ما داموا بمكة فإنهم كانوا طامعين في ذلك راجين فيه، واللَّه أعلم.
وقوله: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي(14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ).
إنه يخرج هذا الحرف منه مخرج التهدد لهم والتوعد، يقول: أما أنا فإنما أعبد الله الحق وله أخلص ديني، فاعبدوا أنتم ما شئتم فإنه يجزيكم جزاء عبادتكم، كقوله تعالى:
(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ...) الآية، وذلك معروف في كلام الناس، يقول الرجل: اعمل ما شئت أو قل ما شئت فإن لك الجزاء كما تعمل؛ على الوعيد، فعلى ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ ...(15) واللَّه أعلم.
ويحتمل وجهًا آخر لا على الوعيد، ولكن يقول: قد بينت لكم وأوضحت السبيلين جميعًا بالآيات والحجج: سبيل النجاة الذي إذا سلكتموه نجوتم، وهو سبيل اللَّه، وسبيل الهلاك الذي إذا سلكتموه هلكتم، وهو سبيل الشيطان، فإن أردتم النجاة فاسلكوا سبيل كذا، وإن أردتم سبيل الهلاك فاسلكوا سبيل كذا، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .