وقال آخرون: كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل (إليهم) إلى ما أمره اللّه بدعائهم إليه ، وتبليغه إياهم رسالة ربه ، ولكنه وعدهم نزول ما كان حذرهم من بأس اللّه في وقت وقَّته لهم ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة اللّه ، فلما أظل القومَ العذابُ وغشيهم كما قال اللّه تعالى في تنزيله تابوا إلى اللّه ، فرفع اللّه العذاب عنهم ، وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذي كان وعدهموه فغضب من ذلك وقال: وعدتهم وعدا فكذب وعدى.
فذهب مغاضباً ربه وكره الرجوع إليهم ، وقد جرّبوا عليه الكذب ؛ رواه سعيد بن جُبير عن ابن عباس.
وقد مضى هذا في"الأنبياء"وهو الصحيح على ما يأتي عند قوله تعالى
{وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] .
ولم ينصرف يونس ؛ لأنه اسم أعجمي ولو كان عربياً لانصرف وإن كانت في أوّله الياء ؛ لأنه ليس في الأفعال يُفْعُل كما أنك إذا سمَّيت بيُعْفُر صرفته ؛ وإن سمّيت بِيَعْفُر لم تصرفه.
الثانية قوله تعالى: {إِذْ أَبَقَ} قال المبرد: أصل أبق تباعد ؛ ومنه غلام آبق.
وقال غيره: إنما قيل ليونس أبق ؛ لأنه خرج بغير أمر اللّه عز وجل مستتراً من الناس.
{إِلَى الفلك المشحون} أي المملوءة.
"والفلك"يذكر ويؤنث ويكون واحداً وجمعا وقد تقدم.
قال الترمذي الحكيم: سماه آبقاً لأنه أبق عن العبودية ، وإنما العبودية ترك الهوى وبذل النفس عند أمور اللّه ؛ فلما لم يبذل النفس عندما اشتدّت عليه العَزمة من المَلَك حسبما تقدّم بيانه في"الأنبياء"وآثر هواه لزمه اسم الآبق ، وكانت عزمة الملك في أمر اللّه لا في نفسه ، وبحظّ حقّ اللّه لا بحظ نفسه ؛ فتحرى يونس فلم يصب الصواب الذي عند اللّه فسماه آبقا ومُلِيما.
الثالثة: قوله تعالى: {فَسَاهَمَ} قال المبرد: فقارع ، قال: وأصله من السهام التي تُجَال.
{فَكَانَ مِنَ المدحضين} قال: من المغلوبين.