وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: سَلَّامًا قَوْلًا عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مُتَنَاهٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: {وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ} ثُمَّ نَصَبَ سَلَامًا عَلَى التَّوْكِيدِ، بِمَعْنَى: مُسْلِمًا قَوْلًا، وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: انْتَصَبَ قَوْلًا عَلَى الْبَدَلِ مِنَ اللَّفْظِ بِالْفِعْلِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَقُولُ ذَلِكَ قَوْلًا قَالَ: وَمَنْ نَصَبَهَا نَصَبَهَا عَلَى خَبَرِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى قَوْلِهِ: {وَلَهُمْ} فِيهَا {مَا يَدَّعُونَ}
وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، أَنْ يَكُونَ {سَلَّامٌ} خَبَرًا لِقَوْلِهِ: {وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ} فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَهُمْ فِيهَا مَا يَدَّعُونَ، وَذَلِكَ هُوَ سَلَّامٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، بِمَعْنَى: تَسْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ، وَيَكُونُ سَلَّامٌ تَرْجَمَةَ مَا يَدَّعُونَ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ خَارِجًا مِنْ قَوْلِهِ: سَلَّامٌ.
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِمَا [روي عن] مُحَمَّد بْن كَعْبٍ، يُحَدِّثُ [عن] عُمَرَ بْن عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ:"إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، أَقْبَلَ يَمْشِي فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ، فَيَقِفُ عَلَى أَوَّلِ أَهْلٍ دَرَجَةً، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ: {سَلَّامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} فَيَقُولُ: سَلُوا، فَيَقُولُونَ: مَا نَسْأَلُكَ وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ، لَوْ أَنَّكَ قَسَمْتَ بَيْنَنَا أَرْزَاقَ الثَّقَلَيْنِ لَأَطْعَمْنَاهُمْ وَسَقَيْنَاهُمْ وَكَسَوْنَاهُمْ، فَيَقُولُ: سَلُوا، فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُكَ رِضَاكَ، فَيَقُولُ: رِضَائِي أَحَلَّكُمْ دَارَ كَرَامَتِي، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِأَهْلِ كُلِّ دَرَجَةٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ، قَالَ: وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْحُورِ الْعَيْنِ طَلَعَتْ لَأَطْفَأَ ضَوْءُ سِوَارَيْهَا الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، فَكَيْفَ بِالْمُسَوَّرَةِ"
فَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ «سَلَامٌ» بَيَانٌ عَنْ قَوْلِهِ: {مَا يَدَّعُونَ} وَأَنَّ الْقَوْلَ خَارِجٌ مِنَ السَّلَامِ.
وَقَوْلُهُ: {مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ}
يَعْنِي: رَحِيمٌ بِهِمْ إِذْ لَمْ يُعَاقِبْهُمْ بِمَا سَلَفَ لَهُمْ مِنْ جُرْمٍ فِي الدُّنْيَا.