عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ} قَالَ: «حَلَائِلُهُمْ فِي ظُلَلٍ»
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: (فِي ظُلَلٍ) بِمَعْنَى: جَمْعُ ظُلَّةٍ، كَمَا تُجْمَعُ الْحُلَّةُ حُلَلًا.
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ: {فِي ظِلَالٍ} ؛ وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ جَمْعَ الظُّلَلِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْكِنِّ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ حِينَئِذٍ: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي كِنٍّ لَا يُضَحُونَ لِشَمْسٍ كَمَا يُضْحِي لَهَا أَهْلُ الدُّنْيَا، لِأَنَّهُ لَا شَمْسَ فِيهَا وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ جَمْعَ ظُلَّةٍ، فَيَكُونُ وَجْهُ جَمْعِهَا كَذَلِكَ نَظِيرَ جَمْعِهِمُ الْخَلَّةَ فِي الْكَثْرَةِ: الْخِلَالُ، وَالْقِلَّةِ: قِلَالٌ.
وَقَوْلُهُ: {عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} وَالْأَرَائِكُ: هِيَ الْحِجَالُ فِيهَا السُّرَرُ وَالْفَرْشُ: وَاحِدَتُهَا أَرِيكَةُ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ فِرَاشٍ أَرِيكَةٌ، وَيَسْتَشْهِدُ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ ذِي الرِّمَّةِ:
كَأَنَّمَا يُبَاشِرْنَ بِالْمَعْزَاءِ مَسَّ الْأَرَائِكِ
وَقَوْلُهُ: {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ}
يَقُولُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ فَاكِهَةٌ
{وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ}
يَقُولُ: وَلَهُمْ فِيهَا مَا يَتَمَنَّوْنَ وَذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ: دَعْ عَلَيَّ مَا شِئْتَ: أَيْ تَمَنَّ عَلَيَّ مَا شِئْتَ.
وَقَوْلُهُ: {سَلَّامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ}
فِي رَفْعِ سَلَّامٍ وَجْهَانِ فِي قَوْلِ بَعْضِ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمَا يَدَّعُونَ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ لَهُمْ خَالِصٌ وَإِذَا وُجِّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ حِينَئِذٍ مَنْصُوبًا تَوْكِيدًا خَارِجًا مِنَ السَّلَامِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَلَهُمْ فِيهَا
مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّمٌ خَالِصٌ حَقًّا، كَأَنَّهُ قِيلَ: قَالَهُ قَوْلًا وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: {سَلَّامٌ} مَرْفُوعًا عَلَى الْمَدْحِ، بِمَعْنَى: هُوَ سَلَّامٌ لَهُمْ قَوْلًا مِنَ اللَّهِ.