ما هذا العُرف؟ وما هذا العَقدُ؟ وما هذا الميثاقُ؟ وما هذا القانونُ المتَّبَعُ في كلِّ أنحاءِ البحارِ؟ إنّ هذه السمكةَ التي خَلَقَها اللهُ مزوّدةٌ بمنقارٍ دقِيقٍ يصلُ إلى أدقِّ الثنايا، وإنّ جهازَها الهضميَّ يتقبَّلُ الفطريّاتِ، والتقرّحاتِ، والإنتاناتِ، وما شاكلَ ذلك، وهو غذاءٌ لها، وإنّ هذه الأسماكَ الكبيرةَ تتّجهُ إليها حينما تشكُو مِن تقرحاتٍ، بسببِ ما يحدثُ بين الأسماكِ مِن احتكاك، أو من معاركَ أحياناً.
الشيء الذي يلفتُ النظرَ أنه إذا كثُرتْ هذه الأسماكُ أمامَ السمكةِ الصغيرةِ، صفَّ بعضُها وراءَ بعضٍ، وكأنّها مجتمعٌ متحضِّرٌ؛ ليس هناك تزاحمٌ، ولا تدافعٌ، ولا سِبابٌ، وقفتْ هذه الأسماكُ الكبيرةُ، وقد سَجَّلتْ هذه الصورةُ بضعَ عشراتٍ مِن الأسماكِ، يقفُ بعضها وراء بعض، تنتظرُ دَوْرَها في المعالجةِ، وقد تستغرقُ المعالجةُ دقيقةً، أو أكثرَ، ثمَّ تنصرفُ إلى سبيلِها.
{هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ} [لقمان: 11] ، مليونُ نوعٍ مِن السمكِ، مَن أَعْلَمَهُمْ جميعاً أنّ هذه لا تُؤْكَلُ، ولا يُعتَدَى عليها، فإنها تقومُ بمهمةٍ سمكية نبيلةٍ، مَن أَعْلَمَهَا؟ هل هذه الأسماكُ عاقلةٌ؟ قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
جروح الأسماك وسرعة التئامها
إنّ من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه تلك الفُنونَ الحربيَّةَ التي تُتْقِنُها الأسماكُ، والحربُ كما تعلمونَ كَرٌّ وفَرٌّ، وما من حُروبٍ تدورُ إلا وفيها قَتلَى وجرْحَى، وكذلك الأمرُ لدى سُكَّانِ البحارِ، فكمْ مِن سمكةٍ فَرَّتْ، وهي تحملُ جراحاً من عَضَّةٍ، أو نَهشةٍ أصابتْها مِن عدوّها، ولكنَّ الشيءَ العجيبَ أنّ جِرَاحَ الأسماكِ سريعاً ما تُشْفَى، وسريعاً ما تَلْتَئِمُ، وفي وقتٍ قياسيٍّ لا يُصدَّقُ، هذا الأمرُ حيَّرَ علماءَ الحيوان والبحارِ!.