والمعنى: لا يتساوى ولا يتشابه البحران في الحقيقة، فأحدهما عذب الماء شديد العذوبة، سائغ الشراب، يجري في الأنهار بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار، وثانيهما ملح شديد الملوحة، وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار.
وبعد اختلافهما في هذا يتشابهان في أمور: مثل أخذ اللحم الطري والحلية منهما، والذي يوجد في المتشابهين اختلافا وفي المختلفين تشابها لا يكون إلا قادرا مختارا، فقال تعالى:
وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا، وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها أي يصاد السمك من كل منهما، وتستخرج الحلية الملبوسة منهما، وهو اللؤلؤ والمرجان، كما قال عز وجل: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن 55/ 22 - 23] .
وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ، لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي تبصر أيها الناظر السفن في البحر شاقّة الماء، مقبلة مدبرة، حاملة المؤن
والأقوات وأنواع التجارة من قطر إلى آخر، لتطلبوا بأسفاركم بالتجارة بين البلدان من فضل الله، لتشكروا الله أو شاكرين ربكم على تسخيره لكم هذا البحر العظيم، وعلى ما أنعم به عليكم من النعم، فإنكم تتصرفون في البحر كيف شئتم، وتذهبون أين أردتم دون عائق ولا مانع، بل بقدرته تعالى قد سخر لكم جميع ما في السموات والأرض من فضله ورحمته.
ثم ذكر تعالى دليلا آخر على قدرته التامة وهو اختلاف الأزمنة، فقال:
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي يدخل أحدهما في الآخر فيكون أطول منه، فيزيد في زمن كل منهما بالنقص من الآخر، فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفا وشتاء.
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي سيّر الشمس والقمر وبقية الكواكب السيّارة، والثوابت الثاقبة بإرادته وقدرته، يجري كل منهما بمقدار معين، ومنهاج مقنن، ومدة محددة هي زمن مدارها أو منتهاها، لتعلموا عدد السنين والحساب، وقيل: كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي إلى يوم القيامة.