واستبد اليأس والقنوط بهرقل من هذه الأحوال السيئة، وقرر العودة إلى قصره الواقع في (قرطاجنة) على الساحل الإفريقي، فلم يعد يهمه أن يدافع عن الإمبراطورية، بل كان شغله الشاغل إنقاذ نفسه، وأرسلت السفن الملكية إلى البحر، وخرج (هرقل) في طريقه ليستقل إحدى هذه السفن إلى منفاه الاختياري، وفي هذه الساعة الحرجة تحايل كبير الأساقفة الروم باسم الدين والمسيح، ونجح في إقناع (هرقل) بالبقاء، وذهب (هرقل) مع الأسقف إلى قربان (سانت صوفيا) يعاهد اللَّه تعالى على أنه لن يعيش أو يموت إلا مع الشعب الذي أختاره اللَّه له.
وبإشارة من الجنرال الإيراني (سين Sain) أرسل (هرقل) سفيرًا إلى (كسرى) طالبًا منه الصلح، ولكن لم يكد القاصد الرومي يصل إلى القصر حتى صاح (كسرى) في غضب
شديد:"لا أريد هذا القاصد حتى يهجر إلهه الصليبي ويعبد الشمس آلهتنا".
وبعد مضي ستة أعوام على الحرب رضي الإمبراطور الفارسي أن يصالح هرقل على شروط معينة: هي أن يدفع ملك الروم"ألف تالنت من الذهب، وألف تالنت من الفضة، وألف ثوب من الحرير، وألف جواد، وألف فتاة عذراء".
ويصف (جبن) هذه الشروط بأنها"مخزية"دون شك، وكان من الممكن أن يقبلها (هرقل) لولا المدة القصيرة التي أتيحت له لدفعها من المملكة المنهوبة والمحدودة الأرجاء، ولذلك آثر أن يستعمل هذه الثورة كمحاولة أخيرة ضد أعدائه.