قد تعقبه هزيمة ، وأن الهزيمة قد يتلوها غلب ... هكذا تجرى أمور الناس فِي هذه الحياة: « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » .. ولكن القوم - لجهلهم ، وعمى بصائرهم - لا يقفون من الأمور إلا عند ظواهرها ، ولا يأخذون منها إلا ما يلقاهم على يومهم .. وهذا شأنهم في دينهم الذي يدينون به .. إنهم أحلوا أنفسهم من كلّ شيء يشغلهم عن حياتهم الدنيا ، فهي يومهم الذي لا يوم لهم بعده .. أما الآخرة ، فلا شأن لهم بها .. إنهم في غفلة عن كلّ أمر يصلهم بها ، وفي صمم عن كل حديث يلقى إليهم عنها ..
قوله تعالى: « غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ » .
المراد بأدنى الأرض ، أقربها ، وهي أقرب البلاد من مملكة الروم الشاسعة ، إلى جزيرة العرب ، وهي تلك البلاد الواقعة في المناطق الشرقية من مملكة الروم .. كدمشق وبيت المقدس وغيرها ..
« فِي بِضْعِ سِنِينَ » ..
هو تحديد للوقت الذي يقع فيه هذا الخبر .. والبضع من السنين ما بين الثلاث إلى العشر ..
« لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ » أي أن الأمر كله للّه ، من قبل الغلب ومن بعده .. فما غلب الغالبون إلا بأمر اللّه ، وعن إرادته ومشيئته .. وما سيغلب المنهزمون إلا بأمر اللّه ، وعن إرادته ومشيئته « قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » (78: النساء) .
« وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ » .
أي في هذا الوقت الذي يقع فيه هذا الخبر ، وهو غلبة الروم للفرس ، سيقع أمر أهمّ وأعظم ، وهو انتصار المسلمين على المشركين ، حيث يمدهم اللّه بنصره ،