ويَكتَمِل انبهارُك بالنظْم البَدِيع للكتاب العزيز عندما يستهلُّ تعالى هذه الصورة بقوله:"وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ ..." [العنكبوت: 31] ، وكأنَّها قصَّة أخرى جديدة يُبقِي الله تعالى الترابُط بين قصَّتي إبراهيم ولوط عليهما السلام قائمًا؛ مِن خِلال البشارة في أثناء مهمَّة الانتِقام مِن قوم لوطٍ عليه السلام:"وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ..." [العنكبوت: 31] .
وما أنْ تَمَّ الحوار بين الملائكة وإبراهيم عليه السلام بمصير قوم لوطٍ، وما ينتَظِرهم مِن مُؤمِنين ومُكَذِّبين نجد أنفسنا داخِل موقف الخسف بقرية لوط عليه السلام، التي كان السِّياق يحدِّثنا عنها منذ قليل:"وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" [العنكبوت: 33 - 35] .
صورة (6) (مدين) والتاريخ الحاضر الغائب:
ويُعَرِّج تعالى على ذكْر قصَّة قوم شعيب بترْك بعض قصص الأقوام بين قوم لوط وقوم شعيب عليهما السلام، لكنَّ هذا الغِياب أشار إليه تعالى فجعَلَه حاضِرًا مِن خِلال ذكْر الاعتِبار مِن قصَّة قوم لوط لكلِّ مَن جاء بعده؛"وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" [العنكبوت: 35] ، ثم ذكَر تعالى بعد قصَّة مدين أنَّ هذه الأُمَم هي عاد وثمود بقوله تعالى:"وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ" [العنكبوت: 38] على لسان شعيب عليه السلام فأصبح سِياق الاعتِبار متَّصِلًا مِن لوط وحتى شعيب عليهما السلام.