وإذا كُنَّا قد توقَّفنا في بداية النصِّ عند قصَّة نوح عليه السلام، فإن مَعالِم الأحداث المسكوت عنها تبدأ في الظُّهور بعلامات معيَّنة ما قبل إبراهيم عليه السلام، وما بعده دون الظهور بأحداثها، ويتمُّ ذلك على نحوٍ غير منتظِم،"وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ" [العنكبوت: 38] .
عود على بدء:
لكن البديع هو أنَّ هذا السِّياق يأتي مُتداخِلًا مع سِياق الحَكْيِ للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ومن ثَمَّ للكافِرين على لسانه صلَّى الله عليه وسلَّم، ليتابع السياق القرآني على ما بدأ به مِن حقيقة الإيمان والكفر؛ حيث يختم تعالى السورة:"وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" [العنكبوت: 68، 69] .
في انتِقال مستمرٍّ بين سِياق الخلْق الأوَّل ونِعَم الله على عباده وبين سِياق الآخرة والحساب.
بالفعل أنا عاجِز عن استِيعاب هذا القَدْر مِن الإبداع البصري الذي رسمَتْه سورة العنكبوت، ولا يَكفِي مَقالٌ كهذا في الإلمام بكلِّ جوانبه، إلا أنِّي حاولت قدْر الإمكان أنْ آخُذ بطرفٍ مِن كلِّ لفتة، والأَحْرَى أن تُفرَد لها دراسة كامِلة، وقد هالَنِي ما توصَّلتُ إليه عند تلاوتها؛ كمٌّ مُكثَّف من الأحداث في مِساحة ضيِّقة جدًّا، وباستِخدام حبكة شديدة السبك تجمع الأحداث على نحوٍ خفيٍّ مكشوف معًا، يختَلِط فيها السِّياق الدعوي مع السِّياق السردي.
وأسأل اللهَ أن يُسعِفني بالوقت لعمل هذه الدِّراسة، أو أن يفتح على أيٍّ مِن إخواني بإتمامها؛ فالغَرَض هو تدبُّر آيِ الذكْر، وكشْف جماليَّاته لكلِّ محبٍّ للقرآن الكريم.
"وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" [فصلت: 41، 42] . انتهى انتهى {التكثيف البصري في سورة العنكبوت، للأستاذ/ عبد الرحمن الإمام} ...