أنتم عبادي. وهذه أرضي. وهي واسعة. فسيحة تسعكم. فما الذي يمسككم في مقامكم الضيق ، الذي تفتنون فيه عن دينكم ، ولا تملكون أن تعبدوا الله مولاكم؟ غادروا هذا الضيق يا عبادي إلى أرضي الواسعة ، ناجين بدينكم ، أحراراً في عبادتكم {فإياي فاعبدون} .
إن هاجس الأسى لمفارقة الوطن هو الهاجس الأول الذي يتحرك في النفس التي تدعى للهجرة. ومن هنا يمس قلوبهم بهاتين اللمستين: بالنداء الحبيب القريب: {يا عبادي} وبالسعة في الأرض: {إن أرضي واسعة} وما دامت كلها أرض الله ، فأحب بقعة منها إذن هي التي يجدون فيها السعة لعبادة الله وحده دون سواه.
ثم يمضي يتتبع هواجس القلوب وخواطرها. فإذا الخاطر الثاني هو الخوف من خطر الهجرة. خطر الموت الكامن في محاولة الخروج وقد كان المشركون يمسكون بالمؤمنين في مكة ، ولا يسمحون لهم بالهجرة عندما أحسوا بخطرهم بعد خروج المهاجرين الأولين ثم خطر الطريق لو قدر لهم أن يخرجوا من مكة. ومن هنا تجيء اللمسة الثانية:
{كل نفس ذائقة الموت. ثم إلينا ترجعون} ..
فالموت حتم في كل مكان ، فلا داعي أن يحسبوا حسابه ، وهم لا يعلمون أسبابه. وإلى الله المرجع والمآب. فهم مهاجرون إليه ، في أرضه الواسعة ، وهم عائدون إليه في نهاية المطاف.
وهم عباده الذين يؤويهم إليه في الدنيا والآخرة. فمن ذا يساوره الخوف ، أو يهجس في ضميره القلق ، بعد هذه اللمسات؟
ومع هذا فإنه لا يدعهم إلى هذا الإيواء وحده ؛ بل يكشف عما أعده لهم هناك. وإنهم ليفارقون وطناً فلهم في الأرض عنه سعة. ويفارقون بيوتاً فلهم في الجنة منها عوض. عوض من نوعها وأعظم منها:
{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها} .
وهنا يهتف لهم بالعمل والصبر والتوكل على الله:
{نعم أجر العاملين ، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} ..