وعلى طريقة القرآن في التصوير ، وفي استحضار المستقبل كأنه مشهود ، صور لهم جهنم محيطة بالكافرين. وذلك بالقياس إليهم مستقبل مستور ؛ ولكنه بالقياس إلى الواقع المكشوف لعلم الله حاضر مشهود.
وتصويره على حقيقته المستورة يوقع في الحس رهبة ، ويزيد استعجالهم بالعذاب نكارة. فأنى يستعجل من تحيط به جهنم ، وتهم أن تطبق عليه وهو غافل مخدوع؟!
ويرسم لهم صورتهم في جهنم هذه المحيطة بهم ؛ وهم يستعجلون بالعذاب:
{يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ويقول: ذوقوا ما كنتم تعملون} ..
وهو مشهد مفزع في ذاته ، يصاحبه التقريع المخزي والتأنيب المرير: {ذوقوا ما كنتم تعملون} .. فهذه نهاية الاستعجال بالعذاب ؛ والاستخفاف بالنذير.
ويدع الجاحدين المكذبين المستهترين في مشهد العذاب يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ليلتفت إلى المؤمنين ، الذين يفتنهم أولئك المكذبون عن دينهم ، ويمنعونهم من عبادة ربهم.. يلتفت إليهم يدعوهم إلى الفرار بدينهم ، والنجاة بعقيدتهم. في نداء حبيب وفي رعاية سابغة ، وفي أسلوب يمس كل أوتار القلوب:
{يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة ، فإياي فاعبدون. كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون. والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، نعم أجر العاملين ، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون. وكأي من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ، وهو السميع العليم} ..
إن خالق هذه القلوب ، الخبير بمداخلها ، العليم بخفاياها ، العارف بما يهجس فيها ، وما يستكن في حناياها.. إن خالق هذه القلوب ليناديها هذا النداء الحبيب: يا عبادي الذين آمنوا: يناديها هكذا وهو يدعوها إلى الهجرة بدينها. لتحس منذ اللحظة الأولى بحقيقتها. بنسبتها إلى ربها وإضافتها إلى مولاها: {يا عبادي} ..
هذه هي اللمسة الأولى. واللمسة الثانية: {إن أرضي واسعة} ..