وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ...(58) . أي: لنهيئنهم (مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا) يقال: بوا: أنزل وهيأ، و"لَنُثْوِيَنَّهُمْ"من الثواء، وهو الإقامة.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: هو من ثويت بالمقام: إذا أقمت به، وبالباء (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) : أي: لننزلنهم.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: أي: لننزلنهم منها منزلا يقيمون فيه، والثواء: الإقامة.
وقال أبو معاذ: بوأها: هيأها، والمثوى: المنزل، والثاوي: المفيف خَالِدِينَ يهَأ نِعْمَ أَتجرُ آلعملِدٍ). أي: ثوابهم وجزاؤهم.
وقوله: (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(59) .
يحتمل قوله: (الَّذِينَ صَبَرُوا) . أي: خرجوا، وهاجروا، وصبروا على الهجرة، وعلى ربهم توكلوا في الخروج والرزق، والذين صبروا على الطاعات وأداء الفرائض.
أو أن يكون الصبر كناية وعبارة عن الإيمان؛ أي: الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون وبه يثقون ويفوضون؛ كقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) . أي: لكل مؤمن.
ومُحَمَّد بن إسحاق يقول: أنزلت الآية بمكة في ضعفاء مسلمي مكة؛ يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان بها فإن أرض المدينة واسعة فإياي فاعبدون بها علانية، ثم خوف بالموت؛ ليهاجروا، فقال: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) في الآخرة، ثم نعتهم فقال: الذين صبروا على الهجرة وباللَّه يثقون في هجرتهم، وذلك أن أحدهم كان يقول بمكة: كيف أهاجر إلى المدينة وليس لي بها مال ولا معيشة، فوعظهم بما ذكر.
وقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(60)