قوله: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ} : جوَّز أبو البقاء في"كَأَيِّن"وجهين ، أحدهما: أنها مبتدأٌ ، و"لا تحملُ"صفتها ، و"اللَّهُ يَرْزُقها"خبره ، و"مِنْ دابَّةٍ"تبيينٌ . والثاني: أَنْ تكونَ في موضعِ نصبٍ بإضمار فعل يُفَسِّره"يَرْزُقها"ويُقدَّرُ بعد"كَأَيِّنْ"يعني لأنَّ لها صدرَ الكلامِ . وفي الثاني نظرٌ ؛ لأنَّ مِنْ شرط المفسِّرِ العملَ ، وهذا المفسِّر لا يعملُ ؛ لأنه لو عَمِلَ لحلَّ مَحَلَّ الأولِ ، لكنه لا يَحُلُّ مَحَلَّه ؛ لأنَّ الخبرَ متى كان فعلاً رافعاً لضميرٍ مفردٍ امتنع تقديمُه على المبتدأ ، وإذا أرَدْتَ معرفةَ هذه القاعدة فعليك بسورةِ هود عند قولِه: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً} [هود: 8] .
وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)
قوله: {الحيوان} : قدَّر أبو البقاء وغيرُه قبل المبتدأ ، مضافاً أي: وإنَّ حياةَ الدارِ الآخرة . وإنما قدَّروا ذلك ليتطابقَ المبتدأ والخبر ، والمبالغةُ أحسنُ .
وواوُ"الحيوان"عن ياءٍ عند سيبويه وأتباعِه . وإنما أُبْدِلَتْ واواً شذوذاً ، وكذا في"حَيْوَة"عَلَماً . وقال أبو البقاء:"لئلا يلتبسَ بالتثنيةِ"يعني لو قيل: حَيَيان . قال:"ولم تُقْلب ألفاً لتحركِها وانفتاحِ ما قبلها لئلا تُحْذَفَ إحدى الألفين". وغيرُ سيبويه حَمَلَ ذلكَ على ظاهرِهِ ، فالحياة عنده لامُها واوٌ . ولا دليلَ لسيبويهِ في"حَيِي"لأنَّ الواو متى انكسرَ ما قبلها قُلِبَتْ ياءً نحو: غُزِي ودُعِي ورَضِيَ .
قوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} / أي: لو كانوا يعلمون أنها الحَيَوانُ لَما آثروا عليها الدنيا .