فكيف يُصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك؟ {الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} أي هو جلَّ وعلا الخالق وهو الرازق، يوسّع الرزق لمن يشاء من عباده امتحاناً، ويضيّق الرزق على من يشاء ابتلاءً، ليظهر الشاكر والصابر {إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي إنه تعالى واسع العلم يفعل ما تقتضيه الحكمة والمصلحة {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله} توبيخٌ آخر وإقامة حجة أخرى عليهم أي ولئن سألت المشركين من الذي أنزل المطر من السماء فأخرج به أنواع الزروع والثمار بعد جدب الأرض ويبسها؟ ليقولون: الله فاعلُ ذلك {قُلِ الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي قل يا محمد: حمداً لله على ظهور الحجة، بل أكثرهم لا يعقلون، حيث يقرون بأن الله هو الخالق الرازق ويعبدون غيره {وَمَا هذه الحياة الدنيآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} أي وما الحياة في هذه الدنيا إلا غرور ينقضي سريعاً ويزول، كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون {وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان} أي وإن الآخرة لهي الحياة الحقيقية التي لا موت فيها ولا تنغيص {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي لو كان عندهم علم لم يُؤْثروا دار الفناء على دار البقاء،
لأن الدنيا حقيرة لا تزن عند الله جناح بعوضه، ولقد أحسن من قال
تأملْ في الوجود بعين فكر ... ترى الدنيا الدنيَّة كالخيال
ومَنء فيها جميعاً سوف يفنى ... ويبقى وجهُ ربك ذو الجلال