{فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} لا لله سبحانه؛ لأن منفعة مجاهدته عائدة إليها أي: ثواب ذلك له لا لغيره، ولا يرجع إلى الله من نفع ذلك شيء. {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} ؛ أي: فلا حاجة به إلى طاعتهم ومجاهدتهم، وإنما أمرهم بها رحمة عليهم، لينالوا الثواب الجزيل، كما قال: خلقت الخلق ليربحوا عليَّ لا لأربح عليهم فالعالمون هم الفقراء إلى الله تعالى، والمحتاجون إليه في الدارين، وهو مستغن عنهم.
وحاصل معنى الآية: أي ومن بذل جهده في جهاد عدو، أو حرب نفس، فإنما يجاهد لنفع نفسه؛ لأنه إنما يفعل ذلك ابتغاء الثواب من الله على جهاده، وهربًا من عقابه، وليس بالله إلى فعله حاجة، فهو غني عن جميع خلقه، له الملك وله الأمر، يفعل ما يشاء، ونحو الآية قوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} وقوله: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} .
7 -ثم بيَّن بالتفصيل جزاء المطيع، فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ؛ أي: الطاعات فيما بينهم وبين ربهم {لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ} ؛ أي: وعزتي وجلالي لنسترن عنهم {سَيِّئَاتِهِمْ} من الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ} الجزاء على العمل {الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} من الصالحات، فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، فالمؤمن يدخل الجنة بإيمانه وتكفَّر سيئاته به، فلا يُخلَّد في النار، فحينئذ يكون الجزاء الأحسن غير دخول الجنة، وهو ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فللعبد ثلاثة أمور من أصناف حسناته:
1 -عمل قلبه: فهو لا يُرى ولا يسمع، وإنما يُعلَم.
2 -وعمل لسانه: فهو يُسمع.
3 -وعمل أعضائه: وهو يُرى. فإذا أتى بهذه الأشياء الثلاثة، يجعل الله لمسموعه ما لا أذن سمعت، ولمرئيِّه ما لا عين رأت، ولعمل قلبه ما لا خطر على قلب بشر.