والمراد نجزينهم أحسن جزاء أعمالهم، بأن نُعطي بواحد عشر أمثاله أو أكثر، لا جزاء أحسن أعمالهم فقط، والمراد بأحسن هنا مجرد الوصف. قيل: لئلا يلزم أن جزاءهم بالحسن مسكوت عنه، وهذا ليس بشيء؛ لأنه من باب الأولى، فإنه إن جازاهم بالأحسن جازاهم بما دونه، فهو من باب التنبيه على الأدنى بالأعلى اهـ."سمين".
ومعنى الآية: أي والذين آمنوا بالله ورسوله، وصح إيمانهم حين ابتلائهم، فلم يرتدوا عنه بأذى المشركين لهم، وعملوا صالح الأعمال فأدوا فرائضه، وقاموا بها حق القيام، فواسوا البائس الملهوف، وأغاثوا المظلوم، وقدموا لوطنهم ما هو شديد الحاجة إليه، فرأبوا صدعه وسدوا ثغره، وكانوا للمؤمنين سندًا ومعينًا حتى يصيروا كالبنيان يشد بعضه بعضًا .. لنكفرن عنهم سيئاتهم التي فُرِّطت منهم في شركهم، أو صدرت منهم لمامًا في إيمانهم، وندموا على ما اجترحوه منها، ولنثيبنهم على صالح أعمالهم حين إسلامهم أحسن ما كانوا يعملون، فنقبل القليل من الحسنات، ونثيب على الواحدة منها عشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، ونجزي على السيئة بمثلها أو نعفو عنها، ونحو الآية قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) } .
فَإِنْ قُلْتَ: إن قوله: {عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} يستدعي وجود السيئات حتى تكفَّر، وقوله: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} يقتضي عدمها، فمن أين تكون لهم سيئة؟
قلت: الجواب عن ذلك أن يقال: إنه ما من مكلف إلا وله سيئة، أما غير الأنبياء فظاهر، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم، ولهذا قال تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} اهـ."كرخي".