وعبارة"القرطبي"هنا: قل الحمد لله على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته، وقيل: قل الحمد لله على إقرارهم بذلك، وقيل: قل الحمد لله على إنزال الماء، وإحياء الأرض بالنبات. اهـ.
ثم ذمهم فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} ؛ أي: شيئًا من الإشياء، فلذلك لا يعملون بمقتضى قولهم، فيشركون به سبحانه أخس مخلوقاته، وهو الصنم؛ أي: ولكن أكثر المشركين لا يعقلون ما لهم فيه النفع في دينهم، وما فيه الضر لهم، فهم لجهلهم يحسبون أنهم لعبادتهم الأصنام دون الله ينالون بها الزلفى والقرب عنده تعالى.
والخلاصة: أن اْقوالهم تخالف أفعالهم، فهم يقرون بوحدانية الله، وعظيم قدرته وجلاله، ثم هم يعبدون معه سواه، مما هم معترفون بأنه خلقه.
قال بعضهم: قد ذكر الله تعالى آية الرزق، ثم آية التوحيد، ثم كررهما في صورتين أخريين، تنبيهًا منه لعباده المؤمنين على أنه سبحانه لا يقطع أرزاق الكفار، مع وجود الكفر والمعاصي، فكيف يقطع أرزاق المؤمنين مع وجود الإيمان والطاعات، وأنه سبحانه لا يسأل من العباد إلا التوحيد والتقوى والتوكل، فإنما الرزق على الله الكريم، وقد قدر مقادير الخلق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وما قدر في الخلق والرزق والأجل لا يتبدل بقصد القاصدين، ألا ترى إلى الوحوش والطيور، لا تدخر شيئًا إلى الغد، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا؛ أي: ممتلئة البطون والحواصل، لاتكالها على الله تعالى، بما وصل إلى قلوبها من نور معرفة خالقها، فكيف يهتم الإنسان لأجل رزقه، ويدخر شيئًا لغده، ولا يعرف حقيقة رزقه وأجله، فربما يأكل ذخيرته غيره، ويصل إلى غده، ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - لا يدخر لغد إذ الأرزاق مجددة كالأنفاس المجددة في كل لمحة، والرزق يطلب الرجل كما يطلبه أجله. انتهى. انتهى {حدائق الروح والريحان. 22/ 30 - 40} ...