ثم بين فضائل هذا الكتاب ومزاياه فقال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الكتاب العظيم الشأن، الباقي على ممر الدهور والأزمان {لَرَحْمَةً} أي: نعمة عظيمة في الدنيا والآخرة {وَذِكْرَى} ؛ أي: تذكرةً في الدنيا يتذكرون بها، وترشدهم إلى الحق، {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ؛ أي: يصدقون بما جئت به من عند الله، فإنهم هم الذين ينتفعون بذلك؛ أي: لقوم همّهم الإيمان، لا التعنت كأولئك المقترحين.
والمعنى: أي إن في هذا الكتاب الباقي على وجه الدهر، لرحمةً لمن آمن به، ببيان الحق وإزالة الباطل، وتذكرةً بعقاب الله الذي حل بالمكذبين قبلكم، وبما سيحل بهم من النكال والوبال، وبما سيكون لمن اتبع سنتهم، وكذب بالآيات بعد وضوحها.
52 -وبعد أن أقام الأدلة على صدق رسالته، وبين أن المعاندين من أهل الكتاب والمشركين، لم يؤمنوا به، أمره أن يكل علم ذلك إلى الله، وهو العلم بصدقه وكذبه، فقال: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المكذبين من اليهود والمشركين {كَفَى بِاللَّهِ} ؛ أي: كفى الله سبحانه، و {الباء} : صلة. {بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا} بما صدر عني وعنكم؛ أي: كفى الله سبحانه عالمًا بما صدر منى، من التبليغ والإنذار، وبما صدر منكم، من مقابلة ذلك بالتكذيب والإنكار، وهو المجازي كلًّا بما يستحق، وإني لو كنت كاذبًا عليه .. لانتقم منى، كما قال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) } بل إني صادق فيما أخبرتكم به، ومن ثم أيدني بالمعجزات الواضحات، والدلائل القاطعات، ثم علل كنايته وأكدها بقوله: {يَعلَمُ} سبحانه {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ؛ أي: من الأمور التي من جملتها شأني وشأنكم، لا تخفى عليه من ذلك خافية.
أي: هو سبحانه وتعالى العلم بكل ما فيهما، ومن جملته شأني وشأنكم، فيعلم ما تنسبونه إلى من التقول عليه، وبما أنسبه إليه من القرآن الذي يشهد لي به عجزكم عن الإتيان بمثله، فهو حجتي الفالجة عليكم، التي لم تستطيعوا لها ردًا ولا دفعًا.