أي: الراسخون في العلم الكاملون فيه . وعن عَمْرو بن مرة قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها ، إلا أحزنني . لأني سمعت الله تعالى يقول: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} : {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: محقّاً مراعياً للحكم والمصالح ، مقدساً عن أن يقصد به باطلاً . فالباء للملابسة ، والجار والمجرور حال . وهذا كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} [الدخان: 38] ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} .
{اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ} أي: تقرباً إلى الله تعالى بقراءته ، وتحفظاً لألفاظه ، واستكثاراً لما في تضاعيفه من المعاني . فإن القارئ المتأمل قد ينكشف له بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه . وتذكيراً للناس ، وحملاً لهم على العمل بما فيه ، من الأحكام ومحاسن الآداب ومكارم الأخلاق: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} أي: تكون سبباً للانتهاء عن ذلك . ففيه تجوز في الإسناد . فإن قلت: كم من مصلّ يرتكب ولا تنهاه صلاته ! قلت: الصلاة التي هي الصلاة عند الله ، المستحق بها الثواب ، أن يدخل فيها مقدماً للتوبة النصوح متقياً ، لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} ويصليها خاشعاً بالقلب والجوارح . ثم يحوطها بعد أن يصليها ، فلا يحبطها ، فهي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر . وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من لم تأمره صلاته بالمعروف ، وتنهه عن المنكر ، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً .