ومعلوم أن الحق سبحانه لطلاقة قدرته وتعالى يجعل عناصر البقاء هي نفسها عناصر الفناء ، وهو سبحانه القادر على أنْ يُنجي ويُهلك بالشيء الواحد ، كما أهلك فرعون بالماء ، وأنجى موسى - عليه السلام - بالماء .
كذلك حين نتأمل هذه العناصر الأربعة نجدها عناصر تكوين الإنسان ، حيث خلقه الله من ماء وتراب فكان طيناً ، ثم جفَّ بالحرارة حتى صار صلصالاً كالفخار ، ثم هو بعد ذلك يتنفس الهواء ، فبنفس هذه العناصر التي كان منها الخَلْق يكون بها الهلاك .
والحق - سبحانه وتعالى - يريد من خَلْقه أنْ يُقبلوا على الكون في كل مظاهره وآياته بيقظة ليستنبطوا ما فيه من مواطن العبر والأسرار ؛ لذلك نجد أن كل الاكتشافات جاءت ، نتيجة دِقَّة الملاحظة لظواهر الكون .
ويلفتنا ربنا إلى أهمية العلم التجريبي ، فيقول: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] فينبغي إذن أن نتأمل فيما نرى وما توصَّل الإنسان إلى عصر البخار وإلى قانون الطَّفْو عند أرشميدس ، وما توصل إلى الكهرباء والجاذبية والبنسلين إلا بالتأمل الدقيق لظواهر الأشياء ، لذلك فالملاحظة هي أساس كل علم تجريبي أولاً ، ثم التجريب ثانياً ، ثم إعادة التجريب لتخرج النتيجة العلمية .
والهواء سبب أساسي في حياة الإنسان ، وبه يحدث التوازن في الكون ، لكن إنْ أراد الحق سبحانه جعله زوبعة أو إعصاراً مدمراً . وسبق أن قلنا: إنك تصبر على الطعام شهراً ، وعلى الماء عشرة أيام ، لكن لا تصبر على الهواء إلا بمقدار شهيق وزفير ، فالهواء إذن أهم سبب من أسباب بقاء الحياة ؛ لذلك نسمعهم يقولون في شدة الكيد: (والله لأكتم أنفاسه) لأنها السبيل المباشر إلى الموت ؛ لذلك فالهواء عامل أساسي في وسائل الإهلاك المذكورة .