ثم علل كونها فاحشة استئنافاً بقوله: {ما سبقكم} أو هي حال مبينة لعظيم جرأتهم على المنكر ، أي غير مسبوقين {بها} وأعرق في النفي بقوله: {من أحد} وزاد بقوله: {من العالمين} أي كلهم فضلاً عن خصوص الناس ؛ ثم كرر الإنكار تأكيداً لتجاوز قبحها الذي ينكرونه فقال: {أئنكم لتأتون الرجال} إتيان الشهوة ، وعطف عليها ما ضموه إليها من المناكر ، بياناً لاستحقاق الذم من وجوه ، فأوجب حالهم ظن أنهم وصلوا من الخبث إلى حد لا مطمع في الرجوع عنه مع ملازمته لدعائهم من غير ملل ولا ضجر ، فقال {وتقطعون السبيل} أي بأذى الجلابين والمارة.
ولما خص هذين الفسادين ، عم دالاً على المجاهرة فقال: {وتأتون في ناديكم} أي المكان الذي تجلسون فيه للتحدث بحيث يسمع بعضكم نداء بعض من مجلس المؤانسة ، وهو ناد ما دام القوم فيه ، فإذا قاموا عنه لم يسم بذلك {المنكر} أي هذا الجنس ، وهو ما تنكره الشرائع والمروءات والعقول ، ولا تتحاشون عن شيء منه في المجتمع الذي يتحاشى فيه الإنسان من فعل خلاف الأولى ، من غير أن يستحي بعضكم من بعض ؛ ودل على عنادهم بقوله مسبباً عن هذه النصائح بالنهي عن تلك الفضائح: {فما كان جواب قومه} أي الذين فيهم قوة ونجدة بحيث يخشى شرهم ، ويتقي أذاهم وضرهم ، لما أنكر عليهم ما أنكر {إلا أن قالوا} عناداً وجهلاً واستهزاء: {ائتنا بعذاب الله} وعبروا بالاسم الأعظم زيادة في الجرأة.
ولما كان الإنكار ملزوماً للوعيد بأمر ضار قالوا: {إن كنت} أي كوناً متمكناً {من الصادقين} أي في وعيدك وإرسالك ، إلهاباً وتهييجاً.
ولما كان كأنه قيل: بم أجابهم؟ قيل: {قال} أي لوط عليه الصلاة والسلام معرضاً عنهم ، مقبلاً بكليته على المحسن إليه: {رب} أي أيها المحسن إليّ {انصرني على القوم} أي الذين فيهم من القوة ما لا طاقة لي بهم معه {المفسدين} بإتيان ما تعلم من القبائح.