أيها المسلمون الأكارم، مع سلسلة حديثنا نمضي قدماً حول مقاصد سور القرآن الكريم، ونحن في هذه الساعة بعون الله تعالى على مائدة سورة العنكبوت، تلكم السورة التي جعلها الله تعالى في ترتيب المصحف بعد القصص وقبل سورة الروم، تلكم السورة التي توضح حقيقةً ضروريةً من حقائق الإيمان، ولازمةً من لوازم الإيمان، وحيث يعلم الله سبحانه وتعالى أن كثيراً من الناس سيرفعون راية الإيمان وسيحملون اسم المؤمنين ويتظاهرون بمظاهر المسلمين، فجعل الله لكل هؤلاء المؤمنين قنطرةً يقفون عليها ويُختبرون عندها، وهذا الاختبار يحتاج إلى جهاد ومجاهدةٍ للنفس، والكل يمر عليها فمنهم من يقف عندها وينقلب على ظهره ويرتد على دبره، نعوذ بالله، وينكشف كذبه وخداعه، ومنهم المؤمنون الصادقون يمرون عليها بسلام ويمضون في طريق الإيمان إلى الأمام حتى يصلوا إلى مرضاة الله الملك العلام فيفوزوا بجنةٍ عظيمة"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ"،"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ"،"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ *الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"، إنها حقيقة الابتلاء في الإيمان.
وبدايةً أحبتنا - كما تعودنا - أقول: إن هذه السورة سماها الله تعالى:"العنكبوت" [1] ، ولم يُعرف لها اسمٌ آخر عند العلماء المفسرين [2] ، العنكبوت، والعنكبوت معروف حشرةٌ غير مألوفة أو غير مؤتلفة ولا مستأنسة، نزيحها من بيوتنا ونرفعها عن أغراضنا، تتخذ بيوتها في مكان ما، ربما على جدارٍ أو بين أغصان الأشجار، في أي مكانٍ من الأماكن دون مراعاةٍ لطريق للناس أو للحيوان ولذلك هو أكثر البيوت تهدماً [3] .