{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة: 18] ما ذلك ، إن صممهم وبكمهم وعماهم بالنسبة إلى شيء خاص ، وهو ما ينتفع به من الحق ، فهذا وحده هو الذي صموا عنه: فلم يسمعوه ، وبكموا عنه فلم ينطقوا به ، وعملوا عنه فلم يروه مع أنهم يسمعون غيره ويبصرونه ، وينطقون به كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ} [الأحقاف: 26] الآية ، وهذا واضح كما ترى.
وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح مع شواهده العربية في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ، في سورة البقرة في الكلام على وجه الجمع بين قوله في المنافقين: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة: 18] مع قوله فيهم: {وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [البقرة: 20] وقوله فيهم: {سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب: 19] وقوله فيهم أيضاً: {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون: 4] ، وقد أوضحنا هناك أن العرب تطلق الصمم وعدم السماع على السماع ، الذي لا فائدة فيه ، وذكرنا بعض الشواهد العربية على ذلك.
مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة
اعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أن الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلمهم ، وأن قول عائشة رضي الله عنها ومن تبعها: إنهم لا يسمعون استدلالاً بقوله تعالى: وما جاء بمعناها من الآيات غلط منها رضي الله عنها ، وممن تبعها.
وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك مبني على مقدمتين.
الأولى منهما: أن سماع الموتى ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث متعددة ، ثبوتاً لا مطعن فيه. ولم يذكر صلى الله عليه وسلم أن ذلك خاص بإنسان ولا بوقت.