ومن الذي: جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ أي: جعل بين البحر العذب والبحر الملح حاجِزاً يجعلهما لا يختلطان ولا يمتزجان.
ثم يأتى الاستفهام الإنكارى أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ أي: أإله مع الله - تعالى - هو الذي فعل ذلك؟ كلا، ليس مع الله - تعالى - آلهة أخرى فعلت ذلك.
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي: بل أكثر هؤلاء المشركين، لا يعلمون الأمور على وجهها الصحيح، لجهلهم، وعكوفهم على ما ورثوه عن آبائهم بدون تفكير أو تدبر.
وعبر بأكثرهم، لأن هناك قلة منهم تعلم الحق، لكنها تنكره جحودا وعنادا.
ثم تنتقل السورة - للمرة الثالثة - إلى لفت أنظارهم إلى الحقيقة التي هم يحسونها في
خاصة أنفسهم، وفي حنايا قلوبهم فتقول: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ والمضطر: اسم مفعول من الاضطرار الذي هو افتعال من الضرورة.
والمراد به: الإنسان الذي نزلت به شدة من الشدائد. جعلته يرفع أكف الضراعة إلى الله - تعالى - لكي يكشفها عنه.
أي: وقولوا لنا - أيها المشركون -: من الذين يجيب دعوة الداعي المكروب الذي نزلت به المصائب والرزايا؟ ومن الذي يكشف عنه وعن غيره السوء والبلاء؟ إنه الله وحده، هو الذي يجيب دعاء من التجأ إليه، وهو وحده - سبحانه - الذي يكشف السوء عن عباده، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته.
وقولوا لنا - أيضا -: من الذي يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أي: من الذي يجعلكم يخلف بعضكم بعضا. قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ هو الذي فعل ذلك.
كلا، بل الله وحده - عز وجل - هو الذي يجيب المضطر، وهو الذي يكشف السوء، وهو الذي يجعلكم خلفاء الأرض، ولكنكم قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أي: ولكنكم زمانا قليلا هو الذي تتذكرون فيه نعم الله - تعالى - عليكم، ورحمته بكم.
وختم - سبحانه - هذه الآية بتلك الجملة الحكيمة، لأن الإنسان من شأنه - إلا من عصم الله - أنه يذكر الله - تعالى - عند الشدائد، وينساه عند الرخاء.
وصدق الله إذ يقول: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ، وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ، فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ.